السبت , 20 أكتوبر 2018 - 12:24 مساءً

رئيس مجلس الإدارة
محمود عبدالمقصود

قرأت لك.. موسوعة الموسيقى العربية فى مائة عام

صدرت فى أبو ظبى موسوعة تفتقدها المكتبة العربية لدقتها مادة وإخراجا وهى من تأليف الناقد العراقى عادل الهاشمى، الذى رحل عام 2011، وقد كان ذاكرة موسيقية مشبعة بكل ما له علاقة بالموسيقى، ولد فى حى الأعظمية فى بغداد 1946، درس الموسيقى فى القاهرة ثم تخرج من الجامعة المستنصرية 1973، وعمل محررا فى صحيفة الثورة وله العديد من المؤلفات منها “فن التلاوة أصوات وأنماط” و”مسيرة اللحنية العراقية” و”أصوات وألحان كردية” وغيرها، غير أن موسوعته التى صدرت فى أبو ظبى عن هيئة أبوظبى للثقافة والسياحة، تظل درة إنتاجه.
img200
ويرى عادل الهاشمى فى مقدمة موسوعته أنه فى القرن التاسع عشر كانت هناك مقابلة فريدة بين المتوارث من الفن الغنائى وبين القرائح المتطلعة إلى تشوفات المستقبل القريب، وهى مقابلة فى رأيه لم تأخذ وظيفتها البنيوية وكامل الاهتمام من الدارسين والباحثين المتخصصين حتى الآن، ويرى أنها الأساس الضرورى لبناء الأغنية التى أشرقت بفنها الجديد على كامل الفرشة الزمنية للقرن العشرين.
ويبين لنا عادل الهاشمى أنه انطلاقا من هذا التحديد يمكن التكهن بالعلاقة الحميمة التى ربطت إنجازات القرن التاسع عشر بإنجازات القرن العشرين، ففى القرن التاسع عشر ترأس منطق أن صياغة الفن ترجع ملكيته إلى الموروث، وفى القرن العشرين صار فن يقابله ويضاده فى كثير من الوجوه، ترأس فيه منطق، الامتداد، أى صياغة فن ترجع ملكيته مناصفة بين الموروث والعصرنة، وهو فن يخلط بين الخبرة المكتسبة والخبرة المعيشة، والخبرة المكتسبة تستوجب التمييز، بينما الخبرة المعيشة خلاقة ومبدعة.
وذهب عادل الهاشمى إلى أنه فى القرن العشرين، بدأت تهب فيه رياح العلم، لتعصف بالمواهب التى تتهرب من الاقتران بالعام الموسيقى، والفرق بين المواهب المعراة من العلم الموسيقى وبين المواهب المقترنة بالعلم الموسيقى، وهو الفرق بين شعور الحياة وبين منهاج المعرفة.
ويبدأ عادل الهاشمى رحلته مع الموسيقى العربية المعاصرة من عبده الحامولى ومحمد عثمان فالأخير خلع على فنه طابعا تطويريا علميا إلى حد ما، فشرع فى جمع الفن الموسيقى ووضع له نظاما، بينما غلب على فن الحامولى الارتجال، فنشأ التنافس بينهما، ومن ذلك مثلاً: أن الحامولى غنى دور (جانى الحبيب والكأس فى إيده) من مقام النهاوند، بينما لحن محمد عثمان الدور من مقام توا أثر، وفى دور (فى البعد ياما كنت أنوح) غناه الحامولى من مقام السيكاه، بينما لحنه محمد عثمان من مقام هزام، وعليه يمكن القول: إن الحامولى تفوق على عصره كله بصوته الأسطورى، وأن محمد عثمان طغى فى عصره بألحانه القوية.
وينتقل بنا عادل الهاشمى عبر صفحات كتابه لنراه يقف بنا عند المسرح الغنائى حيث نهضت مصر بتقاليد البناء المسرحى، وهو يرى أن المسرح الغنائى كان مسرحا للتصورات أكثر منه مسرحًا للواقع وتفجراته الاجتماعية، ولهذا لم يوفق المسرح الغنائى فى التعبير عن تطور العلاقات الاجتماعية بقدر ما وفق فى الإفصاح عن فكرة وسير تاريخية لها مساس شاحب بالواقع.
ويؤكد الكاتب أنه عبر عن نواء الطبقات المرفهة: لأنها كانت هى التى تموله، غير أن إسهامات سيد درويش أكسبت المسرح الغنائى الكثير من رصانته وإبداعه وحيويته، لأنه كان معبرا عن إنسان عصره، واختار سيد درويش موقفا اجتماعيا جريئا عبر فيه عن طموحات كل المعذبين وبتعاونه مع الفنان الكوميدى نجيب الريحانى بتلحين مسرحية (حمار وحلاوة) و(العشرة الطيبة) طوى صفحة محمد عثمان والحامولى وغيرهما، ليفتح صفحة جديدة اسمها سيد درويش، فمن ناحية التأليف الموسيقى عمد سيد درويش إلى تعميق الخط المقامى دون تعقيد مستفيدًا من الزخم العظيم للمقامات الموسيقية العربية، كما أنه عمل على إحياء التراث المحلى والغربى والعالمى مع معالجة أصيلة لصياغة اللحن، وكان المجال اللحنى الذى أشاعه سيد درويش صورة للتماسك الذى يحمى الفنان وابتكاره ويدرج مواهبه فى مذهب صحيح، كما أن سيد درويش صنع الكثير فى مجال الأغنية الفردية مثل دور (أنا هويته وانتهيت، وموشح (يا شادى الألحان) وطقطوقة (زورونى كل سنة مرة).
تحولت الأغنية الفردية منذ عشرات السنين إلى التعبير بالجملة اللحنية، ثم تحولت إلى اللزمات الموسيقية، وبرز فيها فنانون فى رأى المؤلف لن يتكرروا أمثال: محمد عبد الوهاب ومحمد القصبجى وزكريا أحمد ورياض السنباطى، وفريد الأطرش وأم كلثوم وأسمهان.
هنا ترى المؤلف يقف طويلا أمام سلامة حجازى، حيث اعتبره اكتشافا شعبيا أصيلا، وأول من نقل الغناء من التطريب المحض إلى رواية الحدث القصصى، وقد ولد سلامة حجازى فى الإسكندرية 1852 ميلادية، وعمل مع الفنان عزيز عيد، وعملا فى المسرح الغنائى وظل يبدع إلى وفاته فى العام 1917، وتميز صوت سلامة حجازى بالحلاوة والدقة حيث كان فيه شجن رخيم ينبعث قويا أنيقا زاخرا بإتقان، كان غناؤه حافلا بالنغمات العالية والمنخفضة معًا، فيه المد والترجيع الطويل، والتحكم الدقيق بالألحان.
ويفسح المؤلف صفحات لأم كلثوم، ويراها صورة من أشد صور الوضوح لحضارة الغناء، ولدت أم كلثوم فى عام 1898 لأب منشد وقارئ للقرآن، فألحقها بكتاب الشيخ عبد العزيز حسن، وبدأت الغناء فى سن الثالثة عشرة تنشد التواشيح والقصائد الدينية، ولفتت أنظار أبو العلا محمد وزكريا أحمد فأحضراها من قريتها إلى القاهرة فى العام 1923، وكان لتعرفها على الشاعر أحمد رامى وأحمد صبرى النجريدى، أثر فى شهرتها، ولاسيما بعد أن قدما لها القصائد والألحان الرائعة، مثل” “كم بعثنا مع النسيم” للشاعر إبراهيم ميرزا، و(لى لذة فى ذلتى) للشاعر نصر الله الدجاجى، وقصيدة (أمالى فتنت بلحظك الفتاك) للشاعر على الجارم، ثم تعرفت إلى الموسيقار محمد القصبجى فتعهدها بما يملك من معارف ثرية بأصول الأنغام والإيقاعات، وعلمها العزف على آلة العود، لقد ضاعف أداء أم كلثوم فى الغناء العربى من مسؤولية المغنيين: لأن صوتها كان يعيش تناميا داخليا فى الطبقات والنبرات والقدرة الجمالية الخارقة، والثقة البشرية العربية فى حنجرة أم كلثوم لم تأت من معرفة شاملة لخصائصها الفياضة العجيبة، إنما لإجماع على تفوقها الغنائى.
وبين عادل الهاشمى أن غناء أم كلثوم للقصيدة وجد مجالا خصبا فى صوتها الذى يمتلك مساحة من الدرجات الصوتية، تتحدد بأوكتافين أى (ديوانين) فى التعبير العربى، والديوان الواحد يساوى (8) درجات، أى ست عشرة درجة، والمقام الصوتى فى حنجرة أم كلثوم يخرج كاملاً وبوضوح من المقام المنخفض (القرار) إلى المقام الحاد الصادح (الجواب)، وتميز هذا الصوت بقدرته على أداء الحركة الموسيقية بتركيز وعمق وخبرة، وقد احتلت مسألة الانتقال النغمى بين درجات السلم الموسيقى صعودًا وهبوطًا معًا، كما أن الدرجات الثابتة فى الأنغام تنطلق من الذبذبات الصوتية لأم كلثوم على نحو فيه إعجاز، لأن حنجرتها قد ارتقت إلى مكان المعروفة والتأمل، مما يتيح لها قدرة إخراج الصوت النغمى على نحو مجسد، والتجسيد مكن لها أن تستغنى كلية عن استعراض صوتها، لأنها تخدم التعبيرية الموسيقية فى الغناء بالتلوين الصوتى تارة، والبلاغة اللفظية تارة أخرى، وبالقفلة المتقنة الطبيعية فى الغناء بالتلوين الصوتى تارة، والبلاغة اللفظية تارة أخرى، وبالقفلة المتقنة الطبيعية العميقة، ويرى عادل الهاشمى، أن الفصاحة والبلاغة والترنم هى علامات أداء أم كلثوم للقصيدة العربية، فحفظها القرآن الكريم صقل نطقها، وقوم لسانها، وغنت أم كلثوم الكثير من القصائد، وخلعت عليها من سطوتها الفنية، وكانت بارتجالها للألحان تعتمد على قواها التصويرية والخيالية وعلى عاطفتها المبدعة.
كما أفرد عادل الهاشمى مساحة من كتابة للفنانة المبدعة فيروز، والتى عثر عليها الفنان إخوان فليفل وهى فى الخمسة عشر لتغنى فى فرقته، واسمها الحقيق نهاد حداد، أطلق عليها الفنان حليم الرومى اسم (فيروز)، بدأ نبوغها فى خمسينيات القرن العشرين، وقدمت نفسها من خلال أغانى (عتاب) (مين دلك على الهوى) (راجعة) ثم أغانى فيها مستمدة فيها مزج بين الفولكلور والروح العصرية (تحت العريشة سوا) وأغانى مستمدة من أصول البناء العراقى فى فن التلحين (ع الروزنا) ثم أخذت تغنى لونا لبنانيا قام بتشكيله الإخوان رحبانى (نحن والقمر جيران) ويرى عادل الهاشمى أن الخط الذى تمثله فيروز فى الغناء العربى لم يكن محصورًا بين الكلاسيكى القديم أو الجديد المنسلخ عن الجذور الأصلية للغناء العربى، بل هو هذا المزج المحكم فى أصول الغناء العربى مع السماحات الأساسية فى التطور الموسيقى والغنائى العالمى، كما أن صوت فيروز قدم الأغنية اللبنانية بإطار وصفى تفصيلى للتعبيرية الغنائية الفائقة وبأثر فورى غريب.
ويقف المؤلف عند صوت وردة الجزائرية التى ولدت فى باريس سنة 1939، ومنها إلى القاهرة ثم بيروت ثم استقرت فى القاهرة، بدأت شهرتها مع أغنية (أنا من الجزائر أنا عربية)، لكن بعد تلحين محمد الموجى لها قصيدة للشاعر الجزائرى سامح الخزرجى مطلعها:
أدعوك يا أملى وأهتف من بعيد     أنا لم أزل للحب…. للحب الوليد
ثم لحن لها السنباطى:
يا من تنادون الجزائر ها      أنا عانقت حريتى
أبعدت للجزائر لفترة حتى عادت منها للقاهرة 1972 لتتزوج بليغ حمدى فأغدق عليها ألحانه الرائعة مثل: (تمر حنة) و(اشترونى) و(حكايتى مع الزمان) و(اسمعونى) ويرى عادل الهاشمى أن مؤهلات وردة الفنية كانت كبيرة وهى تعود إلى صوتها وما يحويه من درجات كثيرة ما بين القرار والجواب، وخبرتها فى أصول الغناء، وتفوق أدائها لمخارج الحروف، ومهارتها فى المنعطفات اللحنية وتكوين أداء القفلات البارعة، وتمكنها من العرض الصوتى، توفيت فى القاهرة عام 2012 ميلادية ودفنت فى الجزائر.
هذه الموسوعة مليئة بالتفاصيل فالمؤلف لم يترك فنا من الفنون التى ارتبطت بالموسيقى إلا وقدمه فيها مثل: الشعر الغنائى، التلحين، الموسيقى، التوزيع، المسرح الغنائى.
هذه الموسوعة لم تأخذ حقها إلى الآن من الانتشار، لكنى أرى أنه خلال السنوات القادمة ستكون مرجعا أساسيًا خاصة أن المؤلف لم يكن مجرد سارد بل حملت الموسوعة بين سطورها آراء نقدية وتحليل عميق. وآمل أن تناقش هذه الموسوعة وموادها فى محطات التلفاز العربية لكى تثرى المناقشات ما جاء بها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *